بين الاغتراب والوعي المنكسر، قراءة ماركسية تاريخية لظاهرة الانتحار: من البنية التحتية إلى الذات في الرأسمالية المعاصرة
العنف الذي صار ذاتيًا: الانتحار وتحولات السلطة في الرأسمالية الرقمية
المقدّمة
الانتحار بوصفه سؤالًا اجتماعيًا–تاريخيًا لا مأساة فردية
تُعدّ ظاهرة الانتحار من أكثر الظواهر الإنسانية إرباكًا للفكر الاجتماعي والفلسفي، ليس فقط لما تنطوي عليه من مأساة فردية قصوى، بل لأنها تكشف، في صمتها العنيف، عن اختلالات عميقة في البنية التي ينتظم داخلها الوجود الإنساني. فعلى الرغم من التقدّم العلمي والطبي، وتوسّع أدوات العلاج النفسي، واستمرار الخطابات الأخلاقية والدينية، ما تزال معدّلات الانتحار مرتفعة، بل ومتزايدة في كثير من المجتمعات، بما في ذلك تلك التي تُوصَف بأنها متقدمة أو مستقرة سياسيًا واقتصاديًا. هذا التناقض الصارخ يفرض سؤالًا مركزيًا: هل الانتحار مشكلة نفسية فردية، أم عرض اجتماعي–تاريخي لبنية مأزومة؟
غالبًا ما يُقارب الانتحار في الخطاب السائد بوصفه خللًا داخليًا في الفرد: اضطرابًا نفسيًا، ضعفًا في الإرادة، فشلًا في التكيّف، أو انحرافًا أخلاقيًا. وتُعزّز هذه المقاربة نزعة اختزالية تُخرج الظاهرة من سياقها الاجتماعي، وتُحوّلها إلى مسألة علاجية أو أخلاقية محضة. غير أن هذا المنظور، رغم أهميته الجزئية، يعجز عن تفسير التوزيع الاجتماعي للانتحار، واختلاف معدّلاته باختلاف الطبقات، والأنظمة السياسية، وأنماط العمل، والتحوّلات التاريخية الكبرى. كما يعجز عن تفسير الطابع المتكرّر والمنهجي للظاهرة، الذي يتجاوز الحالات الفردية المعزولة.
من هنا تبرز أهمية المقاربة الماركسية، لا بوصفها نظرية نفسية بديلة، بل بوصفها إطارًا نقديًا تاريخيًا يعيد وضع الانتحار داخل شبكة العلاقات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي تشكّل الوجود الإنساني. فالماركسية لا تنطلق من سؤال: “لماذا قرر هذا الفرد إنهاء حياته؟”، بل من سؤال أعمق: “ما هي الشروط الاجتماعية التي تجعل الحياة نفسها غير محتملة بالنسبة لعدد متزايد من الأفراد؟”. بهذا المعنى، يتحوّل الانتحار من فعل فردي معزول إلى مؤشّر بنيوي على عنف اجتماعي غير مرئي.
ينطلق هذا المقال من فرضية مركزية مفادها أن الانتحار لا يمكن فهمه إلا بوصفه نتيجة تاريخية لعلاقات اغتراب محدّدة، تتغيّر أشكالها بتغيّر أنماط الإنتاج، وأنظمة السلطة، وأشكال الهيمنة الأيديولوجية. فالذات التي تُقدم على الانتحار ليست ذاتًا “خارجة عن المجتمع”، بل ذاتٌ مشبَعة بعلاقاته، ومضغوطة بتناقضاته، ومحبوسة داخل شروط لا تملك السيطرة عليها. ومن ثمّ، فإن الانتحار لا يمثّل كسرًا للعلاقة بين الوعي والبنية الاجتماعية، بل يكشف، على نحو مأساوي، عن فشل هذه العلاقة في إنتاج معنى قابل للعيش.
يسعى المقال إلى تفكيك هذه الإشكالية عبر مسار نظري–تاريخي متدرّج. يبدأ بمساءلة التفسيرات السابقة على الماركسية، سواء الدينية أو الأخلاقية أو الطبية، مبيّنًا حدودها المنهجية. ثم ينتقل إلى التأسيس الماركسي لفهم الانتحار بوصفه نتاجًا للاغتراب والعنف البنيوي، قبل أن يتوسّع في تحليل العلاقة المعقّدة بين البنية التحتية والبنية الفوقية، وبين الوعي الفردي والواقع الاجتماعي. كما يناقش المقال الإشكال النظري المتعلّق بادّعاء أن الوعي انعكاس لعلاقات الإنتاج، مقابل ظهور الانتحار كفعل يبدو وكأنه يقطع هذا الانعكاس.
ويولي المقال أهمية خاصة للسياقات التاريخية الكبرى، ولا سيما مرحلة الحرب الباردة، التي مثّلت ذروة للعقلانية الأداتية، وعسكرة الوجود، وانسداد الأفق التاريخي، سواء في المجتمعات الرأسمالية الغربية أو في الأنظمة الاشتراكية البيروقراطية. ففي هذه المرحلة، لم يكن الانتحار مجرّد تعبير عن بؤس اقتصادي، بل عن اختناق وجودي داخل أنظمة تدّعي امتلاك الحقيقة التاريخية أو نهاية الصراع.
ولا يتوقّف التحليل عند هذا الحد، بل يمتدّ إلى المرحلة الراهنة، حيث أدّت التحوّلات التكنولوجية العميقة، وصعود الرأسمالية الرقمية، وهيمنة المنصّات، والذكاء الاصطناعي، إلى إعادة تشكيل شروط الاغتراب ذاتها. في هذا السياق، يُقترح مفهوم التقنوفيودالية لفهم نمط جديد من السيطرة لا يكتفي باستغلال العمل، بل يمتدّ إلى إنتاج الوعي وتنظيم الانتباه وتشييء الذات، بما يفتح أفقًا جديدًا لتحليل الانتحار بوصفه نتاجًا لعنف خوارزمي غير مباشر.
إن الغاية النهائية لهذا المقال ليست تبرير الانتحار ولا إدانته أخلاقيًا، بل فهمه بوصفه علامة تاريخية على أزمة أعمق في تنظيم الوجود الاجتماعي. فحين تصبح الحياة ذاتها عبئًا لا يُحتمل، لا يعود السؤال هو لماذا يموت الفرد، بل لماذا فشل المجتمع في أن يكون مجالًا لمعنى إنساني قابل للاستمرار.
2. الانتحار في الفكر الاجتماعي قبل ماركس
من الخطيئة الأخلاقية إلى العَرَض الفردي
قبل تشكّل المقاربة الماركسية، كان الانتحار يُفهم داخل أطر تفسيرية ما قبل-اجتماعية، أي أطر تنظر إلى الفعل بوصفه صادرًا عن الفرد المعزول، لا عن بنية تاريخية. ورغم اختلاف هذه الأطر (دينية، فلسفية، طبية)، فإنها تشترك في سمة مركزية: فصل الانتحار عن شروطه الاجتماعية المادية.
2.1 الانتحار في الفكر الأخلاقي–الديني
في التقاليد الدينية الكبرى، وخصوصًا في المسيحية الوسيطة، جرى التعامل مع الانتحار باعتباره خطيئة قصوى وانتهاكًا لإرادة إلهية عليا. الحياة ليست ملكًا للفرد، بل وديعة مقدّسة، وإنهاؤها يُعدّ عصيانًا مطلقًا.
هذا الفهم:
-
يُجرِّد الفعل من سياقه الاجتماعي
-
يُحوِّل المعاناة إلى ذنب
-
ويُنتج مقاربة عقابية أو وعظية
من منظور نقدي، لا يمكن إنكار أن هذا الخطاب لعب دورًا في ضبط السلوك الاجتماعي، لكنه في المقابل:
-
حجب الأسباب البنيوية للبؤس
-
ومنع التفكير في مسؤولية المجتمع عن إنتاج شروط اليأس
2.2 الفلسفة الكلاسيكية: بين العقل والفضيلة
في الفلسفة اليونانية، لم يكن الموقف من الانتحار موحّدًا. عند أفلاطون، يُدان الانتحار لأنه خروج على نظام المدينة والعقل الكوني، إلا في حالات استثنائية. أما أرسطو، فيعتبره ظلمًا بحق الجماعة لا بحق الذات فقط.
رغم الطابع العقلاني لهذه المقاربات، إلا أنها:
-
تظل أخلاقية–معيارية
-
تفترض انسجامًا مسبقًا بين الفرد والنظام الاجتماعي
-
ولا تطرح سؤال: ماذا لو كان النظام نفسه مصدر البؤس؟
2.3 الحداثة المبكرة: من الخطيئة إلى “المرض”
مع صعود الحداثة، بدأ الانتحار يُنزَع من الإطار الديني ويُعاد تفسيره داخل خطاب علمي ناشئ، خصوصًا في الطب وعلم النفس المبكر.
هنا يتحوّل المنتحر من “خاطئ” إلى “مريض”.
هذا التحوّل يُعدّ تقدّمًا من حيث:
-
إلغاء العقاب الأخلاقي
-
الاعتراف بالمعاناة
لكنّه في الوقت ذاته:
-
يُعيد اختزال الظاهرة في الفرد
-
ينقل المسؤولية من المجتمع إلى الجهاز العصبي أو الحالة النفسية
-
يُنتج ما يمكن تسميته الاختزال الطبي للمعاناة الاجتماعية
2.4 السوسيولوجيا الكلاسيكية وحدودها
يُعتبر إميل دوركهايم أول من قدّم تفسيرًا اجتماعيًا منهجيًا للانتحار، من خلال مفاهيم:
-
الاندماج الاجتماعي
-
الضبط الاجتماعي
-
الأنوميا
وقد شكّل هذا التحليل قطيعة حقيقية مع التفسيرات الفردانية، إذ بيّن أن الانتحار:
-
يتغيّر بتغيّر البنية الاجتماعية
-
ويخضع لأنماط يمكن دراستها علميًا
غير أن المقاربة الدوركايمية، من منظور ماركسي، تعاني من حدّين أساسيين:
-
الحياد السياسي: تصف الظاهرة دون مساءلة علاقات السلطة والملكية.
-
غياب الاقتصاد السياسي: تتحدث عن “الاندماج” دون تحليل شروط العمل والاستغلال.
بعبارة أخرى، دوركهايم يفسّر كيف يتوزّع الانتحار، لكنه لا يجيب عن سؤال:
لماذا تنتج المجتمعات الحديثة شروطًا تدفع الأفراد إلى تدمير ذواتهم؟
2.5 الحاجة إلى قطيعة نظرية
ما يجمع هذه المقاربات، رغم اختلافها، هو:
-
اعتبار الانتحار خللًا في الفرد
-
أو اختلالًا في المعايير
-
لا نتاجًا لعلاقات إنتاج وهيمنة
من هنا تنبثق الحاجة إلى المقاربة الماركسية، التي لا تسأل عن الدافع النفسي المباشر فقط، بل عن:
-
شروط العمل
-
أنماط السلطة
-
الاغتراب
-
وانسداد الأفق التاريخي
3. ماركس والانتحار: التأسيس النظري
الاغتراب والعنف البنيوي بوصفهما مفتاح الفهم
يشكّل تناول كارل ماركس لمسألة الانتحار لحظة تأسيسية في تاريخ الفكر الاجتماعي، ليس لأن ماركس خصّص لها نظرية مكتملة، بل لأنه أعاد موضعة الظاهرة جذريًا داخل تحليل مادي–تاريخي للعلاقات الاجتماعية. فالانتحار، عند ماركس، لا يُفهم من داخل علم النفس، ولا من داخل الأخلاق، بل من داخل نقد المجتمع البرجوازي نفسه.
3.1 نص «حول الانتحار»: السياق والدلالة
كتب ماركس نصه المعروف حول الانتحار (1846) في سياق نقدي مبكّر، انطلاقًا من ملاحظات أرشيفية جمعها موظف الشرطة الفرنسي جاك بيشوت. ما يهمّ ماركس هنا ليس “قصص” المنتحرين، بل ما تكشفه هذه القصص عن المجتمع الذي أنتجها.
منذ الصفحات الأولى، يرفض ماركس أي تفسير يجعل الانتحار:
-
مسألة طبيعية بحتة
-
أو نتيجة ضعف أخلاقي
-
أو خلل نفسي فردي
ويؤكد أن:
المجتمع الذي يُنتج الانتحار هو مجتمع مريض في بنيته، لا في أفراده فقط. بهذا المعنى، لا يصبح الانتحار موضوع تعاطف أخلاقي، بل موضوع إدانة اجتماعية.
3.2 الانتحار بوصفه نتيجة اجتماعية لا قرارًا ذاتيًا
يرى ماركس أن المنتحر:
-
لا “يختار” الموت بحرية
-
بل يُدفَع إليه داخل شبكة علاقات قسرية
-
تُجرِّده تدريجيًا من المعنى والقدرة
الانتحار هنا ليس فعل إرادة، بل فقدان الإرادة ذاته. ليس تعبيرًا عن سيادة الذات، بل عن انهيارها تحت ضغط بنيوي مستمر.
وهنا يطرح ماركس فكرة محورية:
لا يمكن فصل المعاناة الفردية عن أشكال التنظيم الاجتماعي التي تنتجها.
3.3 العائلة، العمل، والسلطة: مواقع الاغتراب
يحلّل ماركس حالات الانتحار من خلال مواقع اجتماعية محددة:
-
داخل العائلة البطريركية
-
داخل علاقات العمل
-
داخل علاقات السلطة الذكورية والاقتصادية
ويبيّن أن:
-
القمع الأسري
-
التبعية الاقتصادية
-
العزلة الاجتماعية
كلها تُنتج شروطًا موضوعية لليأس.
الانتحار إذن لا ينبع من الداخل النفسي للفرد، بل من خارج اجتماعي استُدخل قسرًا إلى الذات.
3.4 الاغتراب: المفهوم المركزي
لفهم هذا التحليل، لا بد من استحضار مفهوم الاغتراب كما صاغه ماركس في مخطوطاته الاقتصادية–الفلسفية:
-
اغتراب العامل عن نتاج عمله
-
اغترابه عن عملية العمل نفسها
-
اغترابه عن الآخرين
-
اغترابه عن جوهره الإنساني
هذا الاغتراب لا ينتج تعاسة فقط، بل:
يُفكّك علاقة الإنسان بذاته بوصفه كائنًا ذا معنى.
عندما يبلغ الاغتراب ذروته، لا يعود العالم قابلًا للسكن الوجودي، ويصبح الانتحار أقصى تعبير عن انسداد العلاقة بين الذات والعالم.
3.5 الانتحار كعنف بنيوي لا كعنف ذاتي
أحد أهم إسهامات ماركس يتمثّل في قلب زاوية النظر:
-
الانتحار ليس عنفًا يمارسه الفرد ضد نفسه
-
بل عنفًا اجتماعيًا تمّت خصخصته داخل الذات
المجتمع، عبر:
-
الاستغلال
-
القمع
-
العزلة
-
نزع المعنى
يمارس عنفًا مستمرًا، لكنه غير مرئي. والانتحار هو اللحظة التي يصبح فيها هذا العنف مرئيًا عبر الجسد.
3.6 هل الانتحار خروج من البنية؟
قد يبدو الانتحار، للوهلة الأولى، كفعل يقطع كل علاقة بالبنية الاجتماعية. لكن التحليل الماركسي يبيّن العكس تمامًا:
-
المنتحر لا يخرج من البنية
-
بل ينهار داخلها
-
ويُظهِر حدود قدرتها على احتواء الإنسان
الانتحار إذن:
ليس نفيًا للمادية التاريخية، بل تأكيدًا مأساويًا لها حين تفشل في إنتاج حياة قابلة للعيش.
3.7 الفرق الجوهري مع التفسير الليبرالي
في التفسير الليبرالي:
-
الانتحار مسألة اختيار فردي
-
والحرية تُفهم كحق في تقرير المصير
أما عند ماركس:
-
الحرية ليست قرارًا مجرّدًا
-
بل قدرة مادية–اجتماعية على الفعل
-
وحين تُسلب هذه القدرة، يصبح “الاختيار” وهمًا
الانتحار، من هذا المنظور، ليس ممارسة للحرية، بل دليل على غيابها.
4. الاغتراب والتشييء: البنية العميقة لظاهرة الانتحار
من فقدان المعنى إلى تدمير الذات
إذا كان ماركس قد وضع الأساس لفهم الانتحار بوصفه نتيجة اجتماعية، فإن تطوير هذا الفهم يقتضي الانتقال من توصيف الحالات إلى تحليل البنية العميقة التي تُنتج هذا الانهيار الوجودي. هذه البنية تتجسّد في مفهومين مركزيين في الماركسية: الاغتراب والتشييء. ومن خلالهما، يمكن فهم كيف يتحوّل العنف الاجتماعي إلى قطيعة داخل الذات نفسها.
4.1 الاغتراب ليس شعورًا بل علاقة اجتماعية
من الخطأ فهم الاغتراب بوصفه حالة نفسية ذاتية (شعور بالوحدة أو الحزن). في التحليل الماركسي، الاغتراب هو علاقة اجتماعية موضوعية تُفرض على الفرد بغضّ النظر عن وعيه بها.
الإنسان قد يكون “ناجحًا” اجتماعيًا، مستقرًا اقتصاديًا نسبيًا، لكنه مع ذلك يعيش اغترابًا عميقًا، لأن:
-
عمله لا يعبّر عنه
-
زمنه لا يخصّه
-
علاقاته محكومة بمنطق المنفعة
-
وجوده اليومي منفصل عن أي معنى كلي
هذا النوع من الاغتراب هو الأخطر، لأنه:
لا يُدرك بوصفه قمعًا مباشرًا، بل يُعاش بوصفه “طبيعيًا”.
4.2 من الاغتراب إلى فقدان المعنى
عندما يفقد العمل طابعه الإنساني، ويتحوّل إلى وظيفة مجردة، يفقد الإنسان:
-
الإحساس بالجدوى
-
الشعور بالاستمرارية
-
والقدرة على ربط حياته بسردية ذات معنى
هنا لا يعود الألم مرتبطًا بحدث معيّن، بل يصبح:
حالة وجودية دائمة من الفراغ. الانتحار، في هذه المرحلة، لا يظهر كرفض للحياة، بل كرفض لحياة فقدت شروط أن تكون حياة إنسانية.
4.3 التشييء: حين تتحوّل الذات إلى شيء
طوّر جورج لوكاتش مفهوم التشييء (Reification) ليصف مرحلة متقدمة من الاغتراب، حيث:
-
تتحوّل العلاقات الاجتماعية إلى علاقات بين أشياء
-
ويُنظر إلى الإنسان نفسه بوصفه موردًا، وظيفة، رقمًا، أو أداءً
في عالم التشييء:
-
القيمة تُقاس بالمنفعة
-
والزمن يُقاس بالإنتاجية
-
والذات تُقاس بقدرتها على التكيّف
الوعي في هذه الحالة لا يختفي، بل:
يتحوّل إلى وعي مشيَّأ، يدرك نفسه كشيء بين أشياء.
4.4 الانتحار كأقصى أشكال الوعي المشيَّأ
في هذا السياق، لا يكون الانتحار لحظة وعي تحرّري، بل:
-
لحظة إدراك نهائي للاستحالة
-
وعي يرى الانسداد، لكنه عاجز عن تجاوزه
المنتحر لا يقول: “أريد أن أغيّر العالم”،
بل يقول، ضمنيًا:
“لم يعد لي مكان في هذا العالم”.
وهذا ما يجعل الانتحار:
-
ليس خروجًا على النظام
-
بل نتيجة قصوى لاندماج قهري فيه دون أفق للتحويل
4.5 لماذا لا يتحوّل هذا الوعي إلى فعل جماعي؟
السؤال المركزي هنا:
لماذا لا يتحوّل هذا الانهيار إلى تمرّد أو فعل سياسي؟
الجواب الماركسي يكمن في:
-
تفكك الروابط الجماعية
-
فردنة المعاناة
-
وتحويل البؤس إلى مسألة شخصية
كلما:
-
ضعفت الأشكال الجماعية للوعي
-
وغابت التنظيمات الوسيطة
-
وانهارت اللغة المشتركة للمعنى
كلما:
عاد التناقض البنيوي لينفجر داخل الفرد نفسه.
الانتحار هنا هو سياسة مهزومة، لا سياسة غائبة.
4.6 الانتحار والتناقض الداخلي للوعي
الوعي المغترب ليس وعيًا زائفًا بالكامل، ولا وعيًا نقديًا مكتملًا.
إنه وعي متناقض:
-
يدرك الظلم
-
لكنه لا يرى أفقًا لتجاوزه
-
يرفض الواقع
-
لكنه لا يمتلك لغة الخروج منه
هذا التناقض الداخلي هو ما يجعل الانتحار:
لا نفيًا للوعي، بل انفجارًا داخليًا له.
4.7 تمهيد نظري
بهذا المعنى، لا يمكن فهم الانتحار دون فهم:
-
كيف تُنتج البنية الاجتماعية وعيًا مشلولًا
-
وكيف يتحوّل الصراع التاريخي إلى صراع داخلي
-
وكيف يُعاد توجيه العنف من الخارج إلى الداخل
وهنا نصل إلى إحدى أعقد الإشكاليات النظرية:
إذا كان الوعي نتاجًا للبنية، فكيف نفسّر فعلًا يبدو كأنه يقطع معها نهائيًا؟
هذا ما سيعالجه القسم التالي:
