تحولات نظرية المعرفة في الفكر المعاصر وتياراتها الكبرى
شهدت نظرية المعرفة خلال القرن العشرين وبدايات القرن الحادي والعشرين تحولات جذرية أعادت رسم أسئلتها ومناهجها وأهدافها. فبعد أن كان الهمّ المركزي للفلسفة الكلاسيكية والحديثة هو البحث عن أسس يقينية مطلقة للمعرفة، انتقل التفكير الإبستيمولوجي المعاصر إلى تحليل الأنظمة والعمليات التي تُنتَج داخلها المعرفة: العلمية، واللغوية، والذهنية، والتقنية.
لقد تميز هذا التحول بتعدد التيارات وتداخلها، وبصراعٍ خلاق بين مناهج مختلفة، من الحدسية البرغسونية، إلى الوضعية المنطقية، والعقلانية النقدية، والفينومينولوجيا، وصولاً إلى إبستيمولوجيا التعقيد والتقنية. ولم يعد السؤال: ما المعرفة؟ فقط، بل أصبح أيضاً: كيف تُبنى المعرفة؟ ومن ينتجها؟ وبأي أدوات؟.
أولاً: هنري برغسون – الحدس في مواجهة الذكاء العملي
أحدث هنري برغسون قطيعة مع التصورات العقلانية والتجريبية التقليدية من خلال تمييزه بين نمطين أساسيين من المعرفة:
1. الذكاء (Intelligence)
يرى برغسون أن الذكاء البشري ليس موجهاً بطبيعته نحو إدراك الحقيقة المطلقة، بل نحو العمل والمنفعة. فالذكاء يتعامل مع الواقع بوصفه مادة جامدة قابلة للتقسيم والتجزئة، ويحوّل الزمن الحي والمتدفق إلى وحدات مكانية ثابتة. وقد شبّه برغسون هذه الآلية بـ الشريط السينمائي الذي يخلق وهم الحركة من خلال صور ثابتة متعاقبة.
هذا النمط من التفكير، وإن كان فعالاً في التقنية والعلم التطبيقي، إلا أنه يعجز عن إدراك الحياة في سيولتها.
2. الحدس (Intuition)
في مقابل الذكاء، يقترح برغسون الحدس كمنهج معرفي أعمق، يسمح بالوصول إلى جوهر الواقع عبر نوع من التعاطف أو الاندماج مع الموضوع. فالحدس لا يجزّئ الواقع، بل يعيشه من الداخل، ويدرك ما يسميه برغسون الديمومة (Durée)، أي الزمن الحي المتواصل.
وبذلك تصبح الفلسفة، عند برغسون، محاولة لتحرير الفكر من هيمنة الذكاء النفعي، واستعادة علاقة مباشرة بالواقع الحي.
ثانياً: التجريبية المنطقية وإبستيمولوجيا التنسيق
في النصف الأول من القرن العشرين، سعت الوضعية المنطقية، خاصة مع دائرة فيينا، إلى إعادة بناء المعرفة العلمية على أسس صارمة تجمع بين المنطق والرياضيات والتجربة.
1. موريتس شليك: المعرفة كتنسيق
عرّف شليك المعرفة بأنها عملية تنسيق (Coordination) بين المفاهيم الرمزية والوقائع التجريبية. فالحقيقة لا تكمن في المفاهيم ذاتها ولا في الوقائع وحدها، بل في نجاح الربط بينهما.
2. هانس رايشنباخ: تاريخية المبادئ القبلية
انتقد رايشنباخ الفكرة التقليدية للمبادئ القبلية الثابتة، معتبراً أن ما نعدّه قبلياً ليس أزلياً، بل هو مبدأ تشكيلي يتغير بتغير تطور العلوم، خاصة الفيزياء.
3. رودولف كارناب: البناء المنطقي للعالم
حاول كارناب في مشروعه الشهير البناء المنطقي للعالم اختزال جميع المفاهيم العلمية إلى معطيات حسية أولية عبر تعريفات منطقية دقيقة. غير أن هذا المشروع واجه صعوبات كبرى.
4. كارل همبل: نقد الاختزال
اعترف همبل لاحقاً بأن الاختزال الكامل للمفاهيم العلمية غير ممكن، وأن فهم النظريات العلمية يتطلب مبادئ ربط جزئية بين اللغة النظرية والمعطيات التجريبية.
ثالثاً: كارل بوبر – العقلانية النقدية والمعرفة التطورية
قدّم كارل بوبر تصوراً ديناميكياً للمعرفة، رافضاً كل أشكال التبرير النهائي.
1. القابلية للتكذيب
يرى بوبر أن المعيار الحقيقي للعلم ليس التحقق، بل القابلية للتكذيب. فالنظرية العلمية الجيدة هي التي تعرّض نفسها لاختبارات قد تفشل فيها.
2. المعرفة كعملية تطورية
شبّه بوبر تطور المعرفة العلمية بعملية التكيف البيولوجي: من الأميبا إلى أينشتاين، تتقدم المعرفة عبر التجربة والخطأ. غير أن الإنسان يمتلك ميزة فريدة هي اللغة، التي تسمح له بصياغة فرضياته خارج ذاته، وتركها تُدحض بدلاً من أن يهلك هو.
3. نظرية العوالم الثلاثة
ميّز بوبر بين:
-
العالم 1: العالم الفيزيائي
-
العالم 2: الحالات النفسية الذاتية
-
العالم 3: عالم المضامين الموضوعية للفكر (النظريات، الكتب، المشكلات)
ويتمتع هذا العالم الأخير باستقلال نسبي وقدرة على التأثير في الواقع والعقل معاً.
رابعاً: أزمة تعريف المعرفة – مشكلة غيتيه
حتى ستينيات القرن العشرين، كان التعريف السائد للمعرفة هو: اعتقاد صادق مبرر. غير أن الفيلسوف إدموند غيتيه زعزع هذا التعريف عبر أمثلة بسيطة لكنها عميقة.
أظهر غيتيه أن الشخص قد يمتلك اعتقاداً صادقاً ومبرراً، ومع ذلك لا يمتلك معرفة حقيقية، لأن صدق الاعتقاد قد يكون نتيجة صدفة معرفية أو حظ إبستيمي. وقد أدت هذه المشكلة إلى إعادة فتح النقاش حول مفهوم التبرير والمعرفة ذاتها.
خامساً: الفينومينولوجيا – العودة إلى الذات العارفة
ركزت الفينومينولوجيا، مع إدموند هوسرل، على تحليل الوعي ذاته بوصفه أساس كل معرفة.
1. القصدية
يؤكد هوسرل أن الوعي دائماً وعي بشيء، أي أنه قصدي بطبيعته.
2. التبويب (الإبوخي)
يقوم المنهج الفينومينولوجي على تعليق الحكم على وجود العالم الخارجي، لا لإنكاره، بل للتركيز على كيفية ظهور الأشياء للوعي.
وبذلك تصبح المعرفة عملية تشكّل للمعنى داخل الوعي، لا مجرد انعكاس سلبي للعالم.
سادساً: التوجهات المعاصرة وإبستيمولوجيا التعقيد
في الفكر المعاصر، برزت اتجاهات جديدة تدعو إلى تجاوز النماذج الاختزالية.
1. عبر المناهج (Transdisciplinarity)
يرى إدغار موران أن المعرفة لا تكون معرفة حقيقية إلا إذا وُضعت في سياقها، وأن التخصصات المنعزلة تنتج فهماً مبتوراً للعالم. ويدعو إلى فكر يعترف بالتعقيد والترابط.
2. إبستيمولوجيا التقنية والذكاء الاصطناعي
تزايد الاهتمام بكيفية إنتاج المعرفة داخل المختبرات، وبواسطة الخوارزميات، والأدوات التقنية، ما أعاد طرح أسئلة جديدة حول الموضوعية، والفاعل المعرفي، وحدود العقل البشري.
خاتمة: من مرآة الواقع إلى أدوات بنائه
تكشف تحولات نظرية المعرفة المعاصرة عن انتقال عميق:
-
من البحث عن مرآة تعكس الواقع كما هو
-
إلى تحليل الأدوات والعمليات التي نبني بها علاقتنا بالعالم
لم تعد المعرفة حقيقة جاهزة تُكتشف، بل أصبحت بناءً تاريخياً، نقدياً، وتقنياً، يتغير بتغير مناهجه وسياقاته. وهكذا تظل الإبستيمولوجيا مجالاً مفتوحاً يعكس تحوّل الإنسان في فهم ذاته، وعقله، وحدود معرفته.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق