الخميس، 19 فبراير 2026

المعرفة والقياس في الفيزياء المعاصرة: من نظرية التنسيق إلى إشكالية المفاهيم الأساسية

 


المعرفة والقياس في الفيزياء المعاصرة: من نظرية التنسيق إلى إشكالية المفاهيم الأساسية

مقاربة إبستيمولوجية

تُظهر الإبستيمولوجيا المعاصرة، وخاصة في فلسفة الفيزياء خلال القرن العشرين، أن مشكلة المعرفة لم تعد تتمحور حول السؤال التقليدي: كيف يعكس العقل الواقع؟، بل انتقلت إلى سؤال أعمق وأكثر تركيباً: كيف تُبنى العلاقة بين الصياغة الرياضية المجردة والظاهرة التجريبية القابلة للقياس؟
في هذا السياق، تكتسب نظرية التنسيق كما طوّرها عدد من الإبستيمولوجيين، ومنهم غابرييل جيوفانيتي، أهمية مركزية، إذ تجعل من القياس الحلقة المفصلية التي تمنح المعنى الفيزيائي للمفاهيم النظرية.


أولاً: المعرفة بوصفها عملية تنسيق لا انعكاساً

في الإبستيمولوجيا الكلاسيكية، كانت المعرفة تُفهم غالباً باعتبارها تمثيلاً ذهنياً للواقع الخارجي. غير أن فلاسفة العلم في القرن العشرين أعادوا صياغة هذا التصور جذرياً.
فالمعرفة، وفق نظرية التنسيق، ليست صورة تعكس العالم، بل هي عملية ربط بين مستويين متغايرين في الطبيعة:

  • مستوى المفاهيم الرياضية: صيغ مجردة، رمزية، لا زمنية، ولا مكانية، وتتمتع ببنية منطقية داخل نسق نظري.

  • مستوى الظواهر التجريبية: ملاحظات حسية، نتائج أجهزة، أرقام ناتجة عن عمليات قياس ملموسة.

وتُعرّف الحقيقة، ضمن هذا الإطار، بوصفها وحدانية التنسيق؛ أي أن يؤدي النسق الرياضي والتجربة الفيزيائية، رغم اختلاف لغتيهما، إلى نفس النتيجة القابلة للتحقق عند قياس ظاهرة معينة.


ثانياً: المفاهيم المترية بين التعريف النظري والتعريف الإجرائي

تُبرز فلسفة الفيزياء أن المفاهيم الأساسية مثل الطول والزمن والكتلة ليست معطيات بديهية، بل مفاهيم إشكالية ذات بنية مزدوجة:

1. التعريف النظري

في الإطار النظري، يُعرَّف المفهوم من خلال علاقته بمفاهيم أخرى داخل نسق رياضي.
فالسرعة، مثلاً، ليست شيئاً يُدرك مباشرة، بل تُعرّف كنسبة بين المسافة والزمن داخل معادلة.

2. التعريف الإجرائي

أما على المستوى التجريبي، فيُعرّف المفهوم عبر عمليات القياس.
فالحرارة، من هذا المنظور، هي ما يعطيه ميزان الحرارة تحت شروط محددة.

الإشكالية الإبستيمولوجية

تكمن المشكلة في أن المتغيرات الرياضية متصلة ولا نهائية نظرياً، في حين أن القياس الفيزيائي متقطع ومحدود بدقة الأدوات.
ومن ثم، فإن التنسيق الكامل بين المفهوم الرياضي والتجربة يظل مستحيلاً عملياً، ولا يتحقق إلا بشكل تقريبي.


ثالثاً: القياس بوصفه الجسر الإبستيمولوجي

يشكّل القياس اللحظة الحاسمة التي تتحول فيها الرموز الرياضية إلى معرفة فيزيائية ذات معنى.
فبدون القياس، تبقى المعادلات مجرد بناءات صورية لا تشير إلى شيء في العالم.

المذهب الإجرائي

ذهب بعض الفلاسفة إلى حد القول إن المفهوم ليس سوى مجموعة عمليات القياس المرتبطة به.
وبناءً على هذا التصور، فإن أي مفهوم لا يمكن قياسه يفتقر إلى المعنى الفيزيائي.

مبدأ التنسيق

يقوم القياس بدور الوسيط بين:

  • اللانهاية النظرية للمفهوم الرياضي،

  • والمحدودية العملية للقيم العددية التي تنتجها الأدوات.

وبذلك، لا يُفهم القياس كإجراء تقني فقط، بل كفعل معرفي يؤسس للواقع الفيزيائي ذاته.


رابعاً: المبادئ الأساسية والضرورة الفيزيائية

لكي تكون المعرفة العلمية ممكنة، لا بد من افتراض مبادئ لا هي رياضية خالصة ولا تجريبية محضة، بل تُعرف بـ مبادئ الربط الإبستيمولوجي.

1. مبدأ القيمة الواحدة

يفترض هذا المبدأ أن النظام الفيزيائي، في شروط محددة، لا يمكن أن يعطي نتائج قياس متناقضة إلا في حدود هامش الخطأ.
ومن دون هذا الافتراض، ينهار مفهوم الواقع الفيزيائي نفسه.

2. الأحكام التركيبية القبلية

رأى بعض الإبستيمولوجيين أن قواعد التنسيق تعمل كمبادئ مكوِّنة للموضوع المعرفي:
هي سابقة على التجربة، لكنها ليست أبدية، بل قابلة للتعديل مع تطور العلم.


خامساً: المعرفة الجزئية والتاريخية

تؤكد الإبستيمولوجيا المعاصرة أن المعرفة الفيزيائية لا تبلغ أبداً شكلاً نهائياً:

1. التفسير الجزئي

لا يمكن لعدد محدود من عمليات القياس أن يستنفد المعنى الرياضي الكامل للمفهوم.
ومن ثم، فإن كل تفسير علمي يظل جزئياً ومفتوحاً.

2. التطور التاريخي للمفاهيم

مع تطور أدوات القياس، يتغير مضمون المفهوم نفسه.
فالزمن والسرعة، مثلاً، لا يحملان نفس المعنى في فيزياء نيوتن وفي النسبية.
وهذا ما يجعل المعرفة عملية تصحيح ذاتي مستمر، حيث يُعاد بناء المفاهيم عبر ما يُعرف بـ التكرار الإبستيمي.


خاتمة: القياس كفعل تأسيسي للمعرفة العلمية

تكشف نظرية التنسيق في الإبستيمولوجيا المعاصرة أن القياس ليس مجرد وسيلة تقنية للتحقق، بل هو الشرط التأسيسي الذي يمنح المفاهيم الرياضية وجودها الفيزيائي.
غير أن هذه المعرفة، مهما بلغت دقتها، تظل تقريبية، تاريخية، ومشروطة بأدواتنا ومبادئنا النظرية.

وهكذا، لم تعد المعرفة العلمية ادعاءً بامتلاك الحقيقة النهائية، بل ممارسة نقدية مستمرة تُبنى عند الحدّ الفاصل بين الرمز والظاهرة، بين النظرية والقياس، وبين العقل والعالم.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اخر مقال

الفينومينولوجيا: فلسفة القصدية وتجليات الوعي في الفكر المعاصر

  الفينومينولوجيا: فلسفة القصدية وتجليات الوعي في الفكر المعاصر مقدّمة شكّلت الفينومينولوجيا (الظاهراتية) أحد أهم المنعطفات الفلسفية في ال...

المقالات الاكثر شعبية