الاثنين، 28 سبتمبر 2026

السياسة الثقافية-I: من تجربة أندريه مالرو إلى فلسفة الموارد الثقافية عند فرانسوا جوليان

 


MALRAUX-PORTRAIT-STRAIGHT FACE

السياسة الثقافية-I:

 من تجربة أندريه مالرو إلى فلسفة الموارد الثقافية عند فرانسوا جوليان

مقالة تحليلية معمّقة في الفلسفة السياسية، والسياسات العمومية، والثقافة، والهوية، والتراث، والعولمة

مقدمة: من تدبير الثقافة إلى التفكير في معنى الثقافة

تُعدّ السياسة الثقافية من المجالات التي تتقاطع فيها الدولة والمجتمع والفن والفلسفة والاقتصاد والهوية والذاكرة. فهي لا تقتصر على تمويل المسارح والمتاحف والمكتبات، أو تنظيم المهرجانات والمعارض، بل تشمل أيضًا الطريقة التي يحدد بها المجتمع ما يستحق الحفظ، وما ينبغي نقله إلى الأجيال القادمة، وما يستحق الدعم والإنتاج، ومن يملك حق الوصول إلى الثقافة والمشاركة في صنعها.

ومن هذا المنظور، فإن السياسة الثقافية ليست مجرد قطاع إداري من قطاعات الدولة، بل هي أحد أشكال تدخل السلطة في تشكيل العالم الرمزي للمجتمع، وفي تنظيم علاقته بماضيه وحاضره ومستقبله.

وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة عند الانتقال من تجربة أندريه مالرو، الذي ارتبط اسمه بتأسيس وزارة الشؤون الثقافية الفرنسية سنة 1959، إلى تأملات فرانسوا جوليان، الذي يدعو إلى إعادة التفكير في الثقافة انطلاقًا من مفهوم الموارد، ومن العلاقة بين الثقافات، ومن نقد التصورات الجوهرانية للهوية الثقافية.

فإذا كان مالرو قد أسهم في ترسيخ فكرة أن الثقافة مسؤولية عامة للدولة، وأن الوصول إلى الأعمال الفنية الكبرى ينبغي ألا يظل امتيازًا اجتماعيًا، فإن جوليان يفتح سؤالًا آخر: هل ينبغي للسياسة الثقافية أن تكتفي بحماية هوية ثقافية محددة ونشرها، أم أن مهمتها الأعمق تتمثل في تنمية الموارد الثقافية، وإبقاء إمكانات الإبداع والتأويل والتبادل مفتوحة؟

إن الانتقال من مالرو إلى جوليان لا يعني الانتقال من سياسة ثقافية صحيحة إلى أخرى خاطئة، ولا يعني أن أحدهما يلغي الآخر. بل يسمح لنا بفهم تطور الإشكالية الثقافية من سؤال إتاحة الأعمال الفنية وحماية التراث إلى سؤال أوسع يتعلق بكيفية إنتاج الثقافة، وتداولها، وتجديدها، وبناء المشترك بين البشر.

وتنطلق هذه المقالة من أطروحة أساسية:

السياسة الثقافية ليست مجرد سياسة لحماية الثقافة أو نشرها، بل هي سياسة لتنظيم شروط إنتاج المعنى، وتداول الموارد الرمزية، وإتاحة الإبداع، وبناء علاقة حرة ونقدية بين المجتمع وموروثاته، وبين ثقافته والثقافات الأخرى.

وسنعالج هذه الأطروحة من خلال دراسة الأسس الفلسفية للسياسة الثقافية، وتجربة مالرو، ومختلف أدوات السياسة الثقافية ومجالاتها، وعلاقتها بالهوية والديمقراطية والاقتصاد والعولمة، وصولًا إلى إسهام فرانسوا جوليان وإمكانات بناء سياسة ثقافية معاصرة تستفيد من المقاربتين.

أولًا: ما السياسة الثقافية؟ تحديد المفهوم وحدود المجال

1. تعريف السياسة الثقافية

يمكن تعريف السياسة الثقافية بأنها مجموع المبادئ والقرارات والمؤسسات والموارد والتدابير التي تعتمدها سلطة عامة، أو جماعة سياسية، أو مؤسسة، أو حتى شبكة من الفاعلين الاجتماعيين، من أجل التأثير في شروط إنتاج الثقافة وتداولها وحفظها والوصول إليها.

ويشمل هذا التعريف مجموعة واسعة من الأنشطة:

  • دعم الفنون والآداب والموسيقى والمسرح والسينما.

  • حماية التراث المادي وغير المادي.

  • إنشاء المتاحف والمكتبات والمسارح ومراكز الفنون.

  • دعم التعليم الفني والتربية الثقافية.

  • تنظيم سوق الكتاب والنشر والصناعات الثقافية.

  • حماية اللغات وتعزيز التعدد اللغوي.

  • دعم الإبداع المعاصر والتجريب الفني.

  • تشجيع التبادل الثقافي والترجمة والتعاون الدولي.

  • تنظيم العلاقة بين الثقافة والإعلام والتكنولوجيات الرقمية.

لكن السياسة الثقافية لا تتحدد فقط بما تموله الدولة أو تنظمه بصورة مباشرة. فهي تشمل أيضًا القرارات التي تؤثر في الثقافة بصورة غير مباشرة، مثل السياسات التعليمية والضريبية، وقوانين الملكية الفكرية، وتنظيم الإعلام، وسياسات المدن، والتخطيط العمراني، ودعم الجمعيات. ومن ثم، فإن السياسة الثقافية لا تقتصر على وزارة الثقافة، بل تتوزع بين مؤسسات متعددة، وتتداخل مع مجالات أخرى من السياسات العمومية.

2. الثقافة: هل هي الفنون أم نمط الحياة؟

يتوقف تحديد السياسة الثقافية على تعريف الثقافة نفسه. فإذا حُصرت الثقافة في الفنون والآداب والمنتجات الفكرية، فإن السياسة الثقافية ستنصب أساسًا على دعم المؤسسات الفنية والأعمال الإبداعية.

أما إذا فُهمت الثقافة بمعناها الأنثروبولوجي الواسع، بوصفها مجموع أنماط الحياة والتمثلات والقيم والممارسات والرموز التي يتقاسمها البشر، فإن مجال السياسة الثقافية يصبح أوسع بكثير.

وفي هذه الحالة، قد تشمل السياسة الثقافية:

  • اللغة والتنوع اللغوي.

  • الممارسات الدينية والاحتفالية.

  • الذاكرة الجماعية.

  • الموروثات الشعبية.

  • العادات الاجتماعية.

  • أشكال التعبير المحلي.

  • الثقافة الرقمية.

  • أنماط التفاعل بين الجماعات.

غير أن توسيع مفهوم الثقافة إلى هذا الحد يطرح إشكالًا سياسيًا: هل يحق للدولة أن تتدخل في جميع أشكال الحياة الثقافية والاجتماعية؟

إن الدولة التي تتولى دعم الفنون وحماية التراث لا تؤدي بالضرورة الوظيفة نفسها التي تؤديها الدولة عندما تسعى إلى تحديد القيم والمعتقدات وأنماط الحياة التي ينبغي للمواطنين تبنيها. لذلك، ينبغي التمييز بين سياسة تتيح الثقافة وتحمي شروط التعبير عنها، وسياسة تسعى إلى فرض نموذج ثقافي أو أخلاقي موحد.

3. السياسة الثقافية بوصفها اختيارًا سياسيًا

لا توجد سياسة ثقافية محايدة تمامًا. فكل قرار بشأن توزيع التمويل، أو إنشاء مؤسسة، أو اختيار عمل فني، أو دعم لغة، أو تحديد تراث جدير بالحماية، يتضمن ترتيبًا للأولويات. وعندما تقرر الدولة تمويل الأوبرا بدلًا من أشكال فنية أخرى، أو دعم المكتبات في المناطق النائية، أو ترميم موقع تاريخي، أو تخصيص موارد لتعليم لغة معينة، فإنها تتخذ قرارات بشأن ما تعتبره ذا قيمة عامة.

لكن الاعتراف بالطابع السياسي للسياسة الثقافية لا يعني أن الثقافة ينبغي أن تخضع مباشرة لتوجيهات السلطة الحاكمة. بل يطرح سؤالًا أساسيًا: كيف يمكن تنظيم تدخل الدولة في الثقافة دون تحويله إلى وسيلة للرقابة أو الدعاية أو فرض التصورات الرسمية؟ وهنا تظهر أهمية الاستقلال الفني، وحرية التعبير، والتعددية المؤسساتية، وشفافية التمويل، واستقلال لجان الاختيار.

4. السياسة الثقافية بين الدولة والسوق والمجتمع

تتحدد السياسة الثقافية من خلال تفاعل ثلاثة مجالات رئيسية:

المجال

دوره الأساسي

الدولة والمؤسسات العامة

التمويل، والحماية، والبنية التحتية، وضمان الوصول والحقوق الثقافية.

السوق والقطاع الخاص

الاستثمار، والإنتاج، والتوزيع، والابتكار التجاري.

المجتمع المدني والمبادرات المستقلة

التعبير المحلي، والتجريب، والمشاركة، وإنتاج أشكال ثقافية غير مؤسساتية.

ولا يستطيع أي مجال من هذه المجالات أن يؤدي جميع الوظائف بمفرده.

فالسوق قد يتيح انتشار الأعمال، لكنه يميل أيضًا إلى تفضيل المنتجات القادرة على تحقيق عائد اقتصادي.

والدولة تستطيع تمويل أنشطة لا يضمن السوق استمرارها، لكنها قد تقع في خطر البيروقراطية أو التوجيه السياسي.

أما المبادرات المستقلة فتستطيع إنتاج أشكال جديدة من التعبير، لكنها قد تعاني ضعف الموارد والاستمرارية.

لذلك، فإن التحدي يتمثل في بناء منظومة ثقافية متعددة الفاعلين، تسمح بالتعاون دون أن تلغي الاستقلال أو التنوع.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اخر مقال

السياسة الثقافية-II: الأسس التاريخية والفلسفية للسياسة الثقافية

السياسة الثقافية-II:  الأسس التاريخية والفلسفية للسياسة الثقافية II. أندريه مالرو: نشأة سياسة ثقافية للدولة 1. السياق التاريخي: الثقافة بوصف...

المقالات الاكثر شعبية